| الخميس 28 شوال 1447 هـ الموافق لـ 16 أفريل 2026 م
tamajida.org

التسبب في قتل الغير بالسرعة

الأروش والديات , التوبة والكفارات , الوصية والميراث

هذه الفتوى خاصة لا تغني عن السؤال عن حالتك التفصيلية

السؤال:

كنت أسوق السيارة بسرعة 120/130/140/ وفجأة طارت العجلة الأمامية وانقلبت السيارة، وتوفي أخي الذي كان جالسًا في الخلف لاصطدامه بصخرة، ماذا علي في هذا الحادث؟

الجواب:

إنّ الله-تبارك وتعالى-خلق الإنسان وجعله أمينا على حياته وعلى حياة غيره، فالإنسان لم يُخلَق هَمَلا ولم يُترَك سُدى، وإنَّما هو مسؤول عمّا قَدَّم وأَخَّر، وجُعِلَ خليفة في الأرض،  فلذلك كان واجبا على الإنسان أن يَعمُرها بِتَقوى الله الذي له الخلق والأمر وله الحكم والقهر، حيث قال: (...إِنِ الْحُكْمُ إِلا للهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم...( [يوسف:40 ]، وإنّ مِن هذه المسؤوليات العظيمة التي حُمِّلها الإنسان أن يُحَافِظ على أَمْنِه، وأن يُحافِظ على أَمْنِ بني جنسه، وأن يُحافِظ على أَمْن البيئة مِن حوله.

وقد بيّن لنا الله تعالى في كتابه العزيز عِظَم إقدام الإنسان على قتل نفسِه، وعِظَم إقدام الإنسان على قتل غيره،  فقال في قتل الإنسان نفسِه: )...وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى  اللهِ  يَسِيراً) [النساء:29 -30 ]، وقال في قتل الغير: )مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً..) [المائدة:32 ]، ومعنى هذا أنّ المسلم مسؤول عن سلامة بَنِي مِلَّتِه ومسؤول عن البشرية جميعا، لأنه بيّن الله سبحانه وتعالى هنا أنّ قتل نفس بغير نفس-أيّة نفس كانت- بِمثابة قتل أهل الأرض جميعا، وكذلك السَّعي في إحياء النفس إنَّما هو بِمثابة السَّعي لإحياء الناس جميعا.

وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مشدِّداً أيَّما تشديد في قتل الإنسان نفسِه،  كما جاء-في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما مِن طريق أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنْ رَمَى نفسَه مِن شَاهِق فقتل نفسَه فهو يَتَرَدّى في نار جهنم خالدا مُخلَّدا فيها أبدا، ومَن قتل نفسه بِحديدة فحديدته في يَدِه يَتَوَجَّأ بِها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، وَمَن تناول سمًّا فَقَتَلَ نَفْسَه، فسمُّه فِي يَده يَتَحَسَّاه في نار جهنم  خالدا  مخَّلدا  فيها أبدا»، وهذا وعيد شديد جدا لِهذا الذي يُقدِم على قتل نفسه، ولئن كان هذا الوعيد الشديد في قتل الإنسان نفسه وظلمِه إياها فإنه أيضا هو وعيد شديد فيما إذا اجترأ على قتل غيره، ونحن نرى أنّ الله تبارك وتعالى يقول: (​وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ  عَلَيْهِ  وَلَعَنَهُ  وَأَعَدَّ  لَهُ عَذَاباً  عَظِيماً( [النساء:93 ].

وعلى أيّة حال؛ هذا الذي يُسْرِع  إسراعا يَخرُج عن حدّ الاعتدال بحيث لا يستطيع أن يُسَيْطِر على السيارة عندما يَطرأ لها أيّ طارئ إنَّما يُعتبَر قاتِلا لِنَفْسه وقاتلا لِغيره، فهو جامع بيْن إثْمَيْن.. بيْن إثْم الانتحار وإثم النَّحر لِغيره، لأنه مُتَسَبِّب لإتلاف حياة نفسِه ومتسبِّب لإتلاف حياة غيره، فهو بذلك يَسعى إلى النار-والعياذ بالله- سعيا حثيثا...

نعم، إذا كان ممّن يرثه وكان السبب مِن قائِدِ الـمَركبة؛ أي السائق، بِحيثُ أَخْطَأ في القيادة إمّا بالسرعة الفائقة قانونًا، أو كان بِالسيارةِ شيء مِن العطل أو شيء مِن هذا القبِيل مِمَّا يَجعلُه مُخْطِئا في عَمَلِه فلا يَرِثُهُم في هذه الحالة..يُحْرَمُ هو مِن الـمِيراث، لأنَّ الحديثَ عن النبي صلى الله عليه وسلم يَقول:«​لا يَرِثُ القاتِلُ الـمَقتول عَمدا كان القَتْلُ أو خَطَأً»...(رواه الربيع)، هذا لأجْلِ سَدِّ ذرائعِ الفساد، فإذن في مثلِ هذا لا يَرِث، وعليه كفارة مغلظة، وهي صيام شهرين متتابعين، مع دية القتل، مصداقا لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: 92]. ولا يمكن أن يوصف بالمتعمد، فلذلك يُستعان بالعاقلة في أداء الدية.

أما إن لَم يَكُن السبَب منه بِحيثُ كان السببُ خارِجا عن تَصَرُّفِه وعن عَمَلِه الذي عَمِلَه فلا يُكلَّفُ ما كان مِن قِبَلِ غيْرِه، وفي هذه الحالة يَرِث هو كما يَرِثُ غَيْرُه مِنَ الناس، ولا يَتَحَمَّلُ مسؤولية . والله أعلم. 

جميع الحقوق محفوظة لمسجد القرارة الكبير - 2018-2026 . تصميم و إنجاز SoftArt